ابن الجوزي
189
صفة الصفوة
يوسف أخي الحجاج ، وكان عاملا علينا ، في غداة باردة فقعد طاوس على الكرسي . فقال محمد : يا غلام هلمّ ذلك الطيلسان فألقه على أبي عبد الرحمن . فألقوه عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى عنه الطيلسان وغضب محمد بن يوسف . فقال له وهب : واللّه إن كنت لغنيّا أن تغضبه علينا ، لو أخذت الطيلسان فبعته وأعطيت ثمنه المساكين فقال : نعم لولا أن يقال من بعدي : أخذه طاوس فلا يصنع فيه ما أصنع ، لفعلت . وعن النعمان بن الزبير أن محمد بن يوسف وأيوب بن يحيى بعثا إلى طاوس بخمسمائة دينار وقالوا للرسول إن أخذها منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك ، فخرج بها حتى قدم على طاوس فقال : يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها إليك الأمير . قال : ما لي بها من حاجة قال فأراده على قبضها فأبى . فغفل طاوس فرمى بها في كوة في البيت ثم ذهب ، فقال لهم : قد أخذها . فلبثوا حينا : ثم بلغهم عن طاوس شيء يكرهونه ، فقال : ابعثوا إليه فليبعث إلينا بما لنا فجاءه الرسول فقال : المال الذي بعث به إليك الأمير قال : ما قبضت منه شيئا . فرجع الرسول فأخبرهم فعرفوا أنه صادق . فقيل للرجل الذي ذهب بها ، فبعثوه إليه فقال : المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : هل قبضت منك شيئا ؟ قال : لا . قال : فهل تدري أين وضعته ؟ قال : نعم في تلك الكوّة . قال : فأبصره حيث وضعته . قال : فمدّ يده فإذا هو بالصرّة قد بنت عليها العنكبوت فأخذها فذهب بها إليهم . وعن سفيان قال جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه . فقيل له : جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه ؟ قال : أردت أن يعلم أن للّه عبادا يزهدون فيما في يديه . وعن سفيان عن عمرو قال : ما رأيت أحدا أشدّ تنزّها مما في أيدي الناس من طاوس . وعن ابن أبي رواد قال : رأيت طاووسا وأصحابه إذا صلّوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلّموا أحدا وابتهلوا في الدعاء .